اخبار

الجمعة، ٥ فبراير، ٢٠١٠

فى المعرض

كل سنة وانتوا جميعا بخير وطيبين

الناس اللى بتكتب نوعين:

نوع بيبقى ربنا بيديله موهبة من صغره فيفضل عايش بيها من غير تطوير ولا استفادة من غيره.. فتبدأ تبهت وتضيع أو على الأقل تفضل زى ما هيه.. فتبقى النتيجة ان صاحبها برضه يضيع فى ظل تطور الكتاب الموهوبين التانيين.

ونوع حاسس انه لسة محتاج.. فبدأ يبحث ويقرأ ويتطور مرة بعد مرة.. ما يخجلش انه بيتعلم من ده وده.. وبيحاول انه ياخد من كل كاتب أحلى ما فيه عشان يخلط ده كله فى خلطة خاصة بيه هوه.. وتبقى النتيجة انه بيتطور بسرعة ويوصل لمستوى لسة غيره مش قادر يحققه.. بثقته بنفسه واحترامه لقدراته ورغبته فى التفوق.

أنا شخصيا باحب النوع التانى جدا.. ومنهم أحمد الصباغ

مش باحب اكتب موضوعات عن حد كتير.. بس هاعتبر البوست ده تهنئة منى لأحمد الصباغ.. وكمان دعوة لحضراتكم لحفل توقيع كتاب أحمد الصباغ الساخر فى معرض الكتاب (الضرب فى الميت) الصادر عن دار المصرى للنشر.. وده هيبقى إن شاء الله بكرة السبت 6 فبراير.. فى جناح دار ليلى الموجود فى سراى كندا الساعة أربعة ونص..

ومش هانسى طبعا إن فى نفس المعاد ومع أحمد هيبقى فيه حفل توقيع للكاتبة الساخرة سحر غريب وكتابها (تعيش وتاخد غيرها)..

إن شاء الله هاتشرف بوجودى معاهم ومعاكم وهاكون موجود فى المعاد أبارك لأحمد وسحر (على الكتب طبعا)..

وربنا يوفقهم ويوفقكم جميعا

الأربعاء، ٢٧ يناير، ٢٠١٠

تحقيق مع جاموسة!


قررنا اليوم فتح باب التحقيق مع الجاموسة المتسببة فى حادث قطار العياط.. المتهمة أتت إلينا فى سيارة نصف نقل متأخرة نصف ساعة لأنها كانت مشغولة فى سوق البهائم صباحا


س: اسمك؟

ج: جاموسة


س: أين كنت قبل لحظة وقوع الحادث ياجاموسة؟

ج: بعد إذنك يابيه بلاش شتيمة وقلة قيمة.. إيه جاموسة دى؟


س: هذا اسمك المسجل لدينا.. أكرر.. أين كنت قبل لحظة وقوع حادث القطار؟

ج: أنا كنت فى الغيط بتاع صاحبى الحاج حمدان وقاعدة آكل ومزاجى عنب ومكنتش اعرف ان هيحصل ده كله


س: وما الذى حدث؟

ج: أنا قلت اروح اسلِّم على الجواميس اصحابى فى غيط الحاج طلبة اللى على الناحية التانية من القطر عشان سمعت من ناس ان فيه أمراض جديدة وصلت للبهايم.. قلت اروح اتطمن.. أينعم وزارة الزراعة نفت الموضوع.. بس هوه مين فينا اللى بيصدق الحكومة يابيه؟


س: وما الذى حدث بعدها؟

ج: كنت ماشية على مهلى عادى وانا على شريط القطر لقيت فيه حتة صفيحة جاية من بعيد


س: هل تقصدين القطار؟

ج: يابيه أنا بصراحة ماعرفتش انه قطر إلا من زمارته.. إنما هوه باين من بعيد انه صفيحة زى بتاعة السمنة كده.. وكان فيه ناس كتير متشعلقين فيه من كل جانب.


س: ولماذا لم تتحركى بعيدا عن القطار؟

ج: يابيه وأنا هاخاف ليه بس؟؟ أنا لا خدت فلوس من بنوك وهربت، ولا خدت رشوة فى مشروع "ابنى بيتك"


س: ولماذا لم تفعلى ذلك؟

ج: عشان أنا مش محتاجة بيت.. أنا ساكنة فى دوار الحاج حمدان


س: لا أقصد ذلك.. أقصد لماذا لم تتحركى من أمام القطار؟

ج: يابيه هوه فيه قطر يخاف من جاموسة؟ ليه هوه قطر لعبة؟؟ المفروض ان أنا اللى اخاف من القطر.. بس بصراحة لقيت شكله ميخوفش وباين عليه عايز إعادة هيكلة.. قلت يابنت امشى على مهلك


س: وماذا حدث بعد ذلك؟

ج: لقيت القطر وقف أول ما السواق شافنى


س: ولماذا توقف القطار؟

ج: الشهادة لله أنا قلقت وتخيلت اننا فى الهند والسواق هندوسى.. بس رجعت وقلت فوقى يابت.. انت ف مصر.. والدليل القطر الصفيح اللى قدامك ده!


س: وهل توقف القطار كثيرا؟

ج: بصراحة سواق القطر كان راجل ذوق واستنى لحد ما مشيت على مهلى.. حد يلاقى دلع وما يتدلعش يابيه؟


س: وهل رأيت القطار الآخر؟

ج: وأنا بابص كده لقيت صفيحة تانية جاية من بعيد ورا القطر الأولانى وقاعدة تزمر برضه.. حاولت انبِّه سواق القطر وقعدت أجعَّر بصوتى وكل ما اجعَّر يشاور لى ويقول لى: امشى براحتك على أقل من مهلك


س: وما الذى حدث بعدها؟

ج: القطر التانى لبس فى القطر الأولانى ومات شوية ناس كده


س: كم عدد المصابين والقتلى؟

ج: أنا مش عارفة العدد بالتحديد بس بيتهيألى انهم أقل من عدد الغرقانين فى عبارة السلام ومن عدد المحروقين فى قطر الصعيد اللى فات ومن عدد معتقلى الإخوان.. وأكتر من عدد المحروقين فى قصر ثقافة بنى سويف.. يعنى ممكن كده يبقوا قد اللى انتحروا السنة اللى فاتت من الفقر!


س: يبدو أنك مهتمة بأحوال البلد السياسية؟

ج: كله حصرى على التليفزيون المصرى.. والبركة فى النايل كوميدى والأستاذ عزب شو


س: هل كنت تتوقعين أنك ستكونين سببا فى إقالة وزير؟

ج: والله لو اعرف يابيه كنت جبت كل الجواميس اصحابى بعدد الوزرا!


س: هل أنت منضمة لإحدى الحركات المعارضة؟

ج: كفاية يابيه


س: إذن أنت تعترفين بانضمامك لحركة كفاية؟

ج: يابيه انا اقصد كفاية أسئلة.. هيه الواحدة ماتفكش معاك بكلمتين؟


س: فى رأيك من المسئول عن هذه المأساة؟

ج: أولا أنا باسجل اعتراضى.. فين المأساة دى؟ دول شوية مصريين ماتوا.. وبعدين احنا متعودين ان كل سنة الحكومة تعمل لنا مفاجأة كده زى موضوع القطر عشان نعتبر ونتعظ ونقرب من ربنا ونتذكر الموت.. أنا باطالب الإعلام بعدم تهويل القضية وياريت نلتفت لمشاكل البلد الكبرى والتحديات المقبلة زى مباراة مصر والجزائر.. بلاش تشويه لسمعة مصر بقى!


س: ما الشيء الذى ندمت عليه بعد هذه الحادثة؟

ج: إنى لحد دلوقتى ما اتطمنتش على البهايم اللى ف غيط الحاج طلبة!


س: هل لديك أقوال أخرى؟

ج: أنا بس عايزة أطمن زملائى: الأخ "ماس كهربائى" والأخ "مختل عقليا".. إن الحمد لله الضغط خف عليهم وبقينا فى الهوا سوا.. واننا هنحاول الفترة الجاية نقسم المصايب علينا عشان الشعب يصدق.. مرة ماس ومرة مختل ومرة جاموسة.. وهوه ده الفكر الجديد!


س: لقد تسببت فى مقتل العديد من شعب مصر والسخط فى كل أرجاء المحروسة.. فلماذا فعلت كل ذلك؟

ج: "من أجلك أنت" يابيه!

الأحد، ١٧ يناير، ٢٠١٠

فلوس الكيف المصرى!


يمكننى أن أتحمل الفروق الرهيبة بين المجتمع المصرى وسائر بلاد العالم أيا كانت، يمكننى أن أتحمل تلك الفجوة التى تجعلهم يخترعون السيارات التى تسير بالكهرباء وشحن البطاريات، ونحن هنا نتنافس فى طابور أمام محل قطع غيار فيات 128 التى لا تسير أصلا.. نصدِّر لهم حلقات المفتش كورومبو فنستورده منهم بعد أن تم تحويله بقدرة قادر إلى فانوس.. هذه الفجوة بيننا وبينهم أمر مسلَّم به ولكن ما يغيظنى أن تكون الفجوة حتى فى الغرائب والطرائف، ولهذا قصة..

فمنذ أيام اكتشف العلماء فى إحدى الجامعات الأمريكية أن ورق الدولار يحتوى على نسبة من الكوكايين، حيث توصلت أبحاثهم التى اعتمدت على الموجات فوق الصوتية وعمليات الكشف باستخدام المياه إلى أن 90% من أوراق العملات الأمريكية تحتوى على نسبة من الكوكايين.. إلى هنا ينتهى الخبر وتبدأ الحسرة.. فحتى عندما يكتشف العلماء أن هناك "فلوس متكيـِّفة" تكون دولارات وليست جنيهات مصرية!

وبما أن الكوكايين هو الشاى والقهوة بالنسبة للأمريكيين أى أنه يناسب دماغهم، فإننى أتساءل عن المادة التى من الممكن أن يحتويها الجنيه المصرى بما يتناسب مع دماغ المصريين، وأعتقد أنها ستكون البانجو بالتأكيد، فما أجمل أن يحتوى الجنيه المصرى فى مكوناته على "كام عرنوس بانجو" زى الفل.. وبدلا من أن يتم نقل البانجو مهربا فى أجولة، يمكن تهريبه فى شنطة "سومسنايت" وعليها ختم البنك المركزى!!

وربما سيغضب البعض ويؤكد بكل حماس أن الحشيش _وليس البانجو_ هو المشروب الرسمى للشعب المصرى وراعى بطولة كأس "الكيف" مما سيجعله مطلبا شعبيا إذا قررت الحكومة أن تصنع الجنيه المصرى من مكيِّفات مصرية خالصة.. مما سيجعل صاحب المزاج يتخلى عن البهدلة على طريق مصر اسكندرية الصحراوى لاستيراد ما لذ وطاب من الحشيش من الإسكندرية عروس الحشيش المتوسط، ويكتفى بأن يحرق (ورقتين بعشرة جنيه) مع أى سيجارة محترمة.. والمؤيدون لرأى أن يحتوى الجنيه المصرى على الحشيش يدللون على ذلك بأن وجود الحشيش فى الجنيه المصرى معروف منذ الأزل والدليل أن القطعة الصغيرة من الحشيش تسمى "قـِرش"!!

هل من الممكن أن يحتوى الجنيه المصرى على الكوكايين أو الهيروين مثل الدولار؟؟ ممكن طبعا، ولكن فى هذه الحالة سيضطر البنك المركزى إلى طباعة جنيهات مخصوصة لسكان الزمالك ومصر الجديدة والمعادى وبورتو مارينا، أما سكان دار السلام والمرج وعزبة النخل فستكون الجنيهات حشيش فقط ما عدا ورقة "200 جنيه" فستحتوى على شمة هيروين واحدة!!

أما أماكن "تعاطى" الجنيهات المصرية فسيكون أمام البنك المركزى طبعا، حيث إن "الصنف" هناك جديد، ولامع، وخصوصا أيام الأعياد حيث يعتاد البعض الحصول على "عرانيس" جديدة بدلا من "العرانيس" القديمة من البنك فى تلك الأيام لإسعاد الأطفال الصغار وتوصيل "الكيف" لهم على أحسن مستوى، وبدلا من أن يذهب الواحد منا لزيارة أطفال أخيه فى الأعياد فيبدو عليهم الحرج عند إهدائهم ما يسمى بالعيدية، سيركع الطفل منهم أمام قدمى عمه وهو يقبِّل يديه متوِّسلا: أبوس إيدك هات حتة بخمسة!!

أما المزورون فسيزيد العبء المالى عليهم، فإضافة إلى أنهم يحتاجون فى العادة إلى طابعة ألوان وأوراق وأحبار معينة، سيحتاجون أيضا إلى كام تربة حشيش، على كام شوال بانجو، على كام تذكرة هيروين، مما سيجعلهم بالتأكيد يطبعون أوراق عملة فئة (13) جنيه بدلا من العشرة جنيهات لتعويض الفرق!!

وبالنسبة لرجال الاقتصاد فسيفرحون أشد الفرحة بهذا الاختراع، لأن الحكومة لن تستطيع "تعويم" الجنيه المصرى، لأن "العرانيس" الورقية ستحمله عاليا، والحشيش المفروك سينتشر على سطح الواقع الاقتصادى المصرى فلا يستطيع الجنيه أن يعوم بعد ذلك! تخيل أن يكون الجنيه المصرى سابحا على سطح الاقتصاد العالمى بجوار الدولار واليورو أيضا، صحيح أن مراكب الدولار واليورو ستكمل مسيرتها بسلام أما مركب الجنيه المصرى سيخطفها القراصنة الصوماليون ولكن لا يهم، المهم أن الجنيه المصرى شق السما.. وسبح وكتب أعظم ملحمة!!

ما هذا الحظ؟؟ حتى "الكيف" يصبح من حق الشعب الأمريكى فى دولاراته؟؟ ماهذه الشعوب المحظوظة؟ وما هذا الفقر الذى يعم بلادنا؟ حتى تلك الإشاعة الظريفة التى عمت أرجاء الوطن المصرى مؤخرا بأن العملة المعدنية من فئة الخمسين قرشا بها "لحسة" من الذهب وأنه يمكن استبدال هذه العملة الفضية بجنيهين أو ثلاثة، وبموجب هذه الإشاعة انطلقت حمَّى تجميع هذه العملة، حتى إن شقيق خطيبتى _فى الإعدادية_ صارت عنده ثورة الثروة، وغاب النوم عن عينيه وهو يتخيل كمّ العملات التى يمكن استبدالها حتى يجمع ما يكفيه لشراء شقة لخطيب أخته _اللى هوه أنا_ طبعا!! حتى هذه الإشاعة أخمدتها الحكومة فورا، وأعلنت أنها إشاعة مغرضة وأن عملاتنا الوطنية صاحبة المجد التليد هى عملات نحاسية حديدية زرنيخية فقرية لا يأتيها الحظ أبدا!!

فياحكومتنا العزيزة، مادامت الأمور فى بلادنا على هذا النحو الذى لا يسر عدو ولا حبيب، فيمكنك بكل بساطة إلهاء الشعب بأى حاجة من ذمتكم فى هذه الأيام المفترجة، حتى ولو كانت مسابقة لبان، تجميع ألبوم جوائز، أى حاجة، حتى ولو كانت بالسلب، أعتقد أن إشاعة من الحكومة بأن ورقة العشرة جنيهات بها إشعاعات فوق بنفسجية تحت حمراء بين خضراء تسبب الموت، ستكون كافية للشعب ليتعظ، ولكنى أظن ساعتها أن الشعب لن يهتم بهذه الإشاعة.. هوه الشعب فين والعشرة جنيه فين؟؟

السبت، ٩ يناير، ٢٠١٠

ماذا لو قررت الحكومة أن تصالح الشعب؟


وفى لحظة _عزيزى القارئ_ امتلأت الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية بخبر ذلك الزوج المصرى _الجنتل_ الذى آثر أن يصالح زوجته بطريقة مبتكرة حيث أتى بلوحة إعلانات ضخمة وكتب عليها رسالة اعتذار "هاى ريرى.. أنا آسف.. هل تسامحيننى؟".. ولم يكتف بهذا القدر بل أتى بفرقة موسيقية على غرار روميو وجولييت لتعزف لها أحلى الألحان.. لنشاهد الزوجة فى البلكونة فى حى الزيتون وهى لا تصدق ما يحدث.. وتسامح زوجها فى حنان.. بل إن زوجها من أدبه استأذنها فى دخول بيته أمام العالم أجمع.. وكأنه يقول لها: فيحاء.. أنا روميو!!

كان الأمر مفرحا جدا بالنسبة لى وخصوصا بعدما تكرر منذ فترة من زوج آخر أردنى لزوجته إيمان.. وشعرت بسعادة غامرة وأنا أشاهد هذا الاعتذار الحى المباشر من رجل أهان زوجته أمام الجيران فقط.. فرد اعتبارها أمام العالم أجمع.. ولم أهتم كثيرا بتعليق صديقى الذى ما إن شاهد الفيديو حتى قلد اللمبى قائلا: "هوه روميو ده كان عبيط وللا إيه؟"!!

ولم يمر الأمر علىَّ مرور الكرام وتخيلت لو صارت هذه هى الوسيلة المباشرة للمصالحة والاعتذار فى مصر..وبغض النظر عمن سيفكر فى الأمر بصورة تجارية ويلجأ إلى الاتجار فى لوحات الإعلانات.. والآخرين الذين سيحترفون العزف..ولكن تخيل معى مثلا.. لو قررت الحكومة مثلا أن تصالح الشعب!!

نعم.. فالحكومة ينطبق عليها تماما صفات الزوج.. أليست الحكومة هى التى تتحكم بعد الله فى مقادير الشعب؟؟ هل يستطيع أحد من الشعب أن يسافر من غير إذن من الحكومة أو جواز السفر؟؟ هل يستطيع الشعب أن يرفع صوته أمام الحكومة؟؟ هل يستطيع الشعب أن ينفق على نفسه دون الرجوع للحكومة؟

تخيل معى إذن أن الحكومة قررت فجأة أن تصالح الشعب.. قام الوزراء والمسئولون من نومهم.. ونظر كل منهم من بلكونته فرأى الشعب المصرى فى الشارع _هذا بافتراض أن بيوت الوزراء بين بيوت الناس أصلا أو بافتراض أن الوزراء يشاهدون الشعب المصرى أساسا_ سيتعجب كل منهم ويفكر قليلا ويسرح وهو يشاهد هذه الوجوه الشاحبة والملابس التى عفا عليها الزمن.. ثم يقول فى غرابة: مين دول؟؟ ثم يخبط رأسه متذكرا: أيوة أيوة.. دول الشعب.. ياااااااه.. دا احنا بهدلناهم قوى!!

يتجه كل منهم إلى اجتماع رئاسة الوزراء ومعهم الرئيس وكل أفراد الحكومة وأولى الأمر.. ياجماعة الشعب زعلان ولازم نصالحه..الناس تعبانة فعلا.. ويأخذ كل وزير الكلمة ليعرض وجهة نظره.. فيؤكد أحدهم أنه رأى أحد أفراد الشعب وهو يكح تراب.. وآخر يقول إنه أثناء جولته رأى شابين يلعبان طاولة والخاسر يدفع كُليته للفائز بدلا من ثمن المشاريب.. وآخر يقسم أنه شاهد جارين موظفين يشتريان بطيخة واحدة.. يقسمانها بمجرد وصولهما لبيتيهما!! حتى إن أحد الوزراء الذى يعيش فى مقر وزارته فى شرم الشيخ مصمص شفتيه متحسرا وقال: يانهار.. هوه الشعب وصل للدرجة دى.. دا احنا ماشفناش الشعب من زمان بقى!!

المهم أن الحكومة وافقت على أن تصالح الشعب وبنفس طريقة مصالحة هذا الزوج الجنتل.. وتم توزيع الأمر بين الوزارات.. فوزارة البيئة عليها رش الماء فى المكان الذى سترفع عليه لوحة الإعلانات عشان الأرض تجيب طراوة.. ووزارة الخارجية ستدعو إلى مؤتمر عاجل لوزراء الخارجية العرب لبحث سبل التعاون لمصالحة الشعوب واتخاذ الحل المصرى كحل أمثل.. مع الأخذ فى الاعتبار أن تكون يفط دول الخليج (نيون) من النضيف.. أما الجهاز المركزى للمحاسبات فسيقرر أن تكون يافطة مصالحة الشعب المصرى يافطة قماش ترشيدا للنفقات.. وعلى قد لحافك مد رجليك.. ووزارة التعليم عليها إجراء اختبار كادر عاجل لاختيار مدرس واحد فى مصر إن إمكن عنده القدرة على كتابة جملة واحدة باللغة العربية دون خطأ.. ووزارة السياحة ستنظم أفواجا أجنبية لمشاهدة مصالحة الشعب المصرى على الطبيعة.. ووزارة الإعلام ستعطى توصياتها لبرامج القاهرة اليوم والعاشرة مساء و90 دقيقة والحياة اليوم لينضم الجميع إلى شبكة البرنامج العام "البيت بيتك" لنقل شعائر مصالحة الشعب!!

حتى رجال الدين سيؤكدون أن "الصلح خير" وأن الحكومة تعمل بمبدأ أن الخصام بين الشعب والحكومة لا يجب أن يتعدى ثلاث ليال.. ولكن الحكومة نامت فى الخط شوية فزادت المدة إلى ثلاثين عاما.. أما وزارة الداخلية فستكون مهمتها اعتقال الشعب المصرى كله وتسليمه للحكومة لتصالحه فى مكان الحدث!!

المشكلة الأكبر التى ستواجه الحكومة هى الصيغة التى ستكتبها على اليافطة.. فالزوج المحترم أراد تدليل زوجته فقال لها "ريرى".. فكيف ستدلل الحكومة الشعب المصرى الصلب.. سلالة الفراعنة؟ وحينها قام أحد المسئولين مقترحا : شوشو.. وآخر قال: شعشع.. ورد آخر قائلا: لا.. الأفضل شعبولا.. ولكن قوبل اقتراحه بالرفض لتشابه اسم الشعب مع اسم مطرب من الشعب.. ولكن أحد الجهابذة قرر أن تكون صيغة التدليل فى مصالحتنا للشعب وليس فى اسمه فوافق الجميع!

المكان بالتأكيد لن يكون فى جامعة القاهرة.. هوه احنا أوباما وللا إيه؟؟ دا احنا يادوبك حتة شعب يعنى!!.. وأعتقد أن المكان الأمثل هو ميدان التحرير حيث ستفرش الحكومة اليافطة القماش على جدران مجمع التحرير.. وستؤجر الحكومة (دى جى) بدلا من الفرقة الموسيقية ترشيدا للنفقات أيضا.. لتعلو فى سماء مصر أغنية "يا أيها الراقدون تحت التراب" وتتعالى يافطة الحكومة لمصالحة الشعب وكتب عليها " صباح الفل ياشعب.. انت عامل إيه دلوقتى؟"!!

الجمعة، ١ يناير، ٢٠١٠

فى بيتنا فيروس!


كنت فى شقة العزوبية المتواضعة منهمكا فى بعض الأعمال المنزلية المعتادة كالمسح والكنس والغسيل، والتى تربيت من صغرى على أنها من نصيب النساء، ولكن خطيبتى العزيزة أقنعتنى أن هذا كان فى الماضى وأن العالم أصبح قرية صغيرة وأن مصر لن تلحق بركب التطور ما دامت النساء هى التى تقوم بمثل تلك الأعمال المنزلية وأنه يجب علىَّ أن أتدرب عليها من الآن حتى لا تقتلنى المفاجأة بعد الزواج.. فآثرت السلامة حبا فى مصر وشمَّرتُ ساعدىَّ و"عصَبتُ" رأسى بـقميص قديم مثل محمود عبد العزيز فى فيلم الشقة من حق الزوجة.. وفرشت على الأرض وأمامى غسيل الأسبوع مطبقا ومقلدا لكليب صاحبة الصون والعفاف نانسى عجرم.. "حبيبى قرب.. بص وبص بص"!!

رن جرس الباب الذى لا يرن سوى لصبى المكواة أو مبعوث صاحب العمارة لاستقطاع الإيجار من لحمنا أو مبعوث الديليفرى الذى عادة ما يكون ضل طريقه إلى عمارة مجاورة وأتى إلينا عن طريق الخطأ.. فلا يسعنى ساعتها إلا رفع صوتى له لتسمعه كل شقق العمارة وأنا أشير له بكبرياء: لأ مش عايزين النهاردة.. كفاية كباب وكفتة بقى.. زهقنا!!

اتجهت إلى الباب وفتحته فوجدت آنسة محجبة جميلة وحيدة تقف فى ثبات.. كان الأمر مفاجئا لى ومفاجئا لها بالتأكيد.. فمن الصعب علىَّ أن أتخيل وجود فتاة على عتبات شقتى المقدسة التى لم تر إناثا ما عدا أنثى البرص منذ شرفها العبد لله.. ومن الصعب عليها أن تتخيل شابا فى مقتبل العمر يفتح لها وفى يديه بقايا الغسيل وفقاعات "الإيريال" المنظف. ولسان حاله يقول : خير يادّلعدى!!

أخرجت الفتاة من جيبها بطاقة مغلفة وقربَتها من عينى وسحبتها بسرعة الصاروخ قائلة: أنا فلانة الفلانية من الجمعية المصرية الزراعية الصناعية الدولية لمكافحة فيروس (دبليو إكس واى زد) والمستوطن فى المطابخ والحمامات.. حضرتك إحنا بنعمل مسح شامل وتعقيم للمطابخ والحمامات عشان نمنع توغل الفيروس الرهيب (دبليو إكس واى زد) والذى يؤثر على الخلايا فوق البنفسجية المتشعبة من الخلايا تحت الحمراء فى درجة حرارة الجو..

وبما أننى بينى وبين الكيمياء والأحياء ما صنع الحداد والفران ونجارو الموبيليا، هالنى الخبر بصراحة وشعرت بفداحة الأمر وعاتبت نفسى على عدم إلمامى بأخبار الفيروسات الأخيرة وتطورها.. يانهار ابيض!! فيروس (دبليو إكس واى زد) بجلالة قدره فى الحمام والمطبخ بتوعى؟؟ ده فيروس مكون من آخر اربع حروف فى الأبجدية الإنجليزية.. أكيد من النوع الخطر قوى بقى.. يعنى لو كان مثلا (إل إم إن أو) كنا قلنا ماشى.. إنما (دبليو إكس واى زد)؟؟ يانهار يانهار!!

طب الخلايا تحت الحمراء مش مهمة قوى.. على الأقل لسة موصلتش انها تبقى حمرا يعنى.. إنما الأمر يوصل للخلايا فوق البنفسجية؟؟ يعنى الفيروس ده قضى على الخلايا اللبنى والبمبى والرصاصى ووصل للبنفسجى وطلع فوقها كمان؟؟ الطف يارب!!

بس فعلا مصر هتفضل هيه مصر.. رغم كل الأزمات دى والظروف الاقتصادية بس مصر باعتالى ناس عشان تنضف المطبخ والحمام.. ياسلام ع الحنية.. ياسلام ع الإنسانية..الآن يمكننى أن أتفاخر على أهلى فى الأرياف بكل ثقة.. فأنا فى القاهرة نفسها حيث ترسل مصر لى مندوبا لمتابعة مطبخى وحمامى.. وهم يعيشون فى البلد الذى يتفاخر كل فرد فيه بعدد الفيروسات التى يحويها جسده!!

أخرجنى صوتها من شرودى وهى تقول: ممكن أدخل المطبخ والحمام؟؟ أوقفتها وأنا أحاول ألا أتمسك باعتراضى كثيرا وقلت لها وأنا "أسبّل" عينى :بس احنا هنا عزَّاب يعنى مش شقة عيلة..ففاجأتنى قائلة: لا حضرتك ماتقلقش أنا معايا زميلى..

وفجأة انشقت الأرض عن شاب طويل عريض يمسك بعلبة رش كبيرة وينتظر أن تتم البنت مهمتها ليبدأ هو مهمته.. دخل الشاب إلى الشقة وبمجرد دخوله بادرتنى الفتاة قائلة: دلوقتى حضرتك هتشترك معانا وتدفع خمسة وعشرين جنيه عشان نرش.. وهنبقى نيجى نتابع الحالة دوريا..

وقبل أن أدخل لأحضر المبلغ بكل براءة خرج بالصدفة صديقى الطبيب الذى يسكن معى فى الشقة من حجرته فصرخت فيه قائلا: الحق يادكتور.. فيروس (دبليو إكس واى زد) فى المطبخ عندنا!! ظهرت الحيرة على وجهه وهو يبحث فى خلايا مخه عن مثل هذا المرض العضال فلم يجد.. وبمجرد نظرة إلى الشاب والفتاة فهم اللعبة وقال لهما: شكرا ياجماعة أنا دكتور وانا باعقم الشقة كل يوم..حاولت أن أصرخ فيه قائلا: يادكتور انت مش بتعقم الشقة خالص.. والفيروس ده صعب اسمع كلامى.. ولكنه لم يمهلنى.. وطردهما شر طردة!!

وبعد محاولات مضنية معى أقنعنى صديقى الطبيب أن هذه كانت أشهر عملية نصب شهيرة تحدث فى مصر الآن..وأن الشباب الذى لا يجد عملا ولا زواجا ولا حياة كريمة لم يجد إلا النصب على السكان الغلابة مستغلين هذا الخوف الفطرى فى ربات البيوت اللاتى لم أكن أختلف عنهن كثيرا وأنا على طشت الغسيل!!

أخذ صديقى يلقى على مسامعى محاضرة سياسية عن ظروف البلد وما آلت إليه وما أصبح عليه الشباب الغلبان.. وأخذ يطربنى بمصطلحات إنجليزية طبية ويقارن بين ما يحدث فى مصر الآن وما يحدث خارجها.. ولكننى تركته سابحا فى ملكوته وحلقت بعيدا عنه وكل ما يشغل تفكيرى سؤال واحد:

هل فيروس (دبليو إكس واى زد) هذا له علاج؟؟

السبت، ٢٦ ديسمبر، ٢٠٠٩

منصورة ياحبى.. ياحتة من قلبى!


لم أكد أفتح الكمبيوتر حتى طالعتنى جملة واحدة من أحد طلاب جامعة المنصورة تفيد عزمهم الإضراب بسبب طعام المدينة الجامعية.. جملة واحدة كتبها هذا القارئ العزيز بسرعة شديدة، ولكنه لا يعلم قدر الفرحة التى عمت أرجاء قلبى.. فإضرابهم هذا أعاد إلى ذهنى ما حدث معى فى جامعة المنصورة أيام دراستى بها.

كنت أيام الجامعة زبونا دائما عند مطعم (البغل) الشهير أمام الجامعة أيام كان الساندويتش بخمسة وثلاثين قرشا فقط مع نفحة مجانية من الطرشى الأصيل، وكنت أعد كل ليلة الخمسة قروش الزائدة عن الجنيه لأحصل على ثلاثة ساندويتشات غدا.. كان (البغل) هو مطعمنا ونادينا وملتقانا، فإذا حددنا موعدا قلنا: أشوفك العصر عند (البغل).. وإذا حددنا مكانا قلنا: بعد (البغل) بشارعين، وإذا وصفنا أحدا قلنا: الراجل ده شبه الصورة اللى متعلقة عند (البغل)!

تجرعت خلال هذه الأيام فولا وطعمية يكفى لأن يتكاثر الفول داخلى ذاتيا، وما إن زادت الأسعار وصار سعر الساندويتش أربعين قرشا، حتى قامت الدنيا وصار الأمر حديث كل المنتديات، وصرت بدلا من أن أعد (الشلن) فقط زيادة عن الجنيه، أعد (ريالا) كاملا، هذا بالإضافة إلى أن الطرشى صار له سعرا مخصصا، مما جعل المبلغ يصل إلى جنيه ونصف مرة واحدة.. وهذا أمر لو تعلمون عظيم!

وبينما أنا فى أصداء هذه المشكلة أتى إلىَّ صديق عزيز وهمس لى وهو يتلفت: تحب تاكل لحمة وفراخ بجنيه؟ نزل الأمر علىَّ كالصاعقة وظهر الذهول على وجهى وقلت: فراخ؟؟ فأجاب قائلا: ياعم لحمة وفراخ والله بجد.. إيه؟ مش عارف الفراخ؟.. انجعصت فى مكانى وأنا ألوِّح بيدى متكبرا: ياعم عارفها.. مش اللى ليها جناجين ووركين دى وبتتقسم على أربعة؟.. فاكرها والله.. وإذ بصديقى يخرج اشتراكا فى وجبة الجامعة ويعطيه لى ويؤكد أن الطعام بوفرة، ويزخر بكميات من اللحوم وكثير من الدجاج وأنواع من الفواكه وأطنان من الأرز وبحار من الطبيخ المحلى بالصلصة.. ورغم أن وصفه لى جعلنى أتذكر فيلم فجر الإسلام وكميات الأكل أمام أبى لهب، إلا أننى سألته عن سبب إيثاره لى عن وجبته فتلعثم فى الكلام، وأكد أنه يريد أن يعم الخير على كل طلاب الجامعة.. مش معقولة يعنى يتنغنغ فى الأكل واحنا مش لاقيين ناكل من عند (البغل)!

جهزت نفسى لهذا اليوم، فرغم أننى لم أكن محروما بصراحة من هذه الاختراعات الحديثة المتمثلة فى اللحوم والفراخ إلا أنه شعور لذيذ للغاية أن تأكل هذه الوجبة بجنيه واحد فقط وزملاؤك بالخارج يقفون طابورا أمام (البغل) ليأكلوا فولا وطعمية بجنيه ونصف.. دعك من نظرات الاحتقار التى لاقيتها كلما قلت لأحد أصدقائى إننى سآكل اليوم فى مطعم الجامعة!

دخلت المطعم وجدت حشدا من طلبة الجامعة فى طابور طويل ليحصل كل منهم على نصيبه شيئا فشيئا.. كان أول ما صادفنى هى الصينية التى سنضع عليها الطعام، كانت بقايا الزبون الذى أكل فيها قبلى ما زالت على أطرافها رغم أن الماء يتساقط منها كما يتساقط العرق من جبين راكب فى مترو الأنفاق، هذا الماء الذى يمتزج فى الصينية بقطرات الزيت على بقايا السمن لتصنع صورة مثالية لإعلان عن (بريل) وكيف أنه قادر على تنظيف أصعب الدهون!

قطع تفكيرى هذا الحوار الذى دار بين الطباخ وزميلى فى الطابور الذى صرخ معترضا على كمية الأرز التى لا تكفى بطة يتيمة، فصرخ فيه الطباخ: انتوا هتتأمَّروا بالجنيه اللى انتوا دافعنيه؟ مش كفاية اننا بنأكلكوا؟ خد وانت ساكت.. سار زميلى وأنا خلفه أنظر فى كمية الأرز التى وضعها الطباخ فى صينيتى، ووقفت قليلا لعل الرجل يراجع ضميره ويضاعف الكمية ولكن بلا جدوى.. فقلت: مش مشكلة الرز.. المهم الطبيخ.. ذهبت إلى الشباك الآخر، فوضع الطباخ بعضا من السائل الأحمر الذى تسرح فيه حبوب معينة تحتاج إلى المركز القومى للبحوث للكشف عنها لتحديد ما إذا كانت بسلة أم فاصوليا.. هذا بافتراض أن المذكور هو الخضار أصلا، وليس اللحم وهو مفروم!

ذهبت إلى شباك اللحوم فأتحفنى الرجل بقطعة من الدجاج احتار فيها المحللون هل هى (صدر) أم (ورك)؟ فقال بعض المتبرعين من الجلوس إنها (ورك) والدليل هذه القدم التى تظهر منها.. فأقسم الآخرون أنها (صدر) ولكن فراخ الجامعة تمشى على أربع!

وقبل أن أجلس، رمى أحدهم رغيفا من الخبز على الصينية فأصدر رنينا تعالى صداه فى المطعم كله ولكن أحدا لم يلتفت، فيبدو أن الطلبة قد تعودوا على صوت الرغيف الصلب وتعاملوا معه، حتى إننى سمعت أن إدارة الجامعة منعت تداول خبز الجامعة داخل المطعم بسبب استخدامه كسلاح أبيض فى الخناقات!

جلست على الكرسى فى المطعم أنظر إلى ما جنته يداى والجنيه الذى ضاع ولم أستفد منه بشيء، وأرى بعين خيالى أصدقائى الفالحين وهم يأكلون فى (البغل) بشهية مفتوحة.. ولكن أكثر ما آلمنى فى هذا الموضوع أننى لن أستطيع أن أصف لأصدقائى ماذا أكلت فى المطعم، ليس لأننى حاقد لا سمح الله، ولكن لأننى لا أعرف ما الذى قد أكلته أساسا!

ولهذا فإننى فرحت بشدة حين علمت أن رجال المدينة الجامعية فى المنصورة قد قاموا بإضرابهم.. وشعرت أنهم قد أخذوا بحقى.. ولكن أناشدهم جميعا إذا نجح الإضراب وعرضوا المطالب وأخذوا المغانم ألا ينسوا شيئا مهما.. الجنيه بتاع العبد لله!

الجمعة، ١٨ ديسمبر، ٢٠٠٩

جورنال فى المترو!


قرأت كثيرا عن ذلك الشعور بالفرحة الطاغية عندما يرى الكاتب تأثير مقاله على وجوه قرائه ولكن لم يسعفنى الحظ أن أرى تأثير ما أكتب مباشرة على وجه قارئ واحد يوحد الله لا أعرفه.. ولهذا فلم أكن أتوقع أن الأمر سيصل بى إلى هذه الدرجة التى بسببها فعلت ما فعلت..

تبدأ القصة فى مترو الأنفاق وتحديدا عند آخر قطار بعد منتصف الليل.. والمعروف أن هذا القطار تحديدا يأتى بعد أن تكون أرواح البشر المنتظرين قد طارت إلى بارئها.. وقسمت كل عائلة "تركة" المرحوم وصرفها أبناؤه!!

وفجأة وجدته..

شاب فى العشرينيات يجلس على الكرسى ويفتح أول صفحة فى "الدستور".. وجدت نفسى متورطا "غصبن عنى" فى النظر إليه بضراوة.. ودارت الأفكار فى رأسى.. هل ياترى سوف يفتح الصحيفة كبداية على الصفحة التى أكتب فيها رغم وجودها فى آخر الصحيفة باعتبار أنه متلهف على قراءة مقالى أنا بالتحديد؟؟ أم أن باقى "الزملاء" أمثال إبراهيم عيسى والقعيد وأحمد منصور سوف يلقطون الزبون منى؟؟

لم أستغرق وقتا فى التفكير حينما لاحظت أن الزبون من النوعيات المنظمة التى تقرأ الصحيفة بالترتيب.. يعنى أول صفحة ثم الثانية وهكذا..

ياصلاة النبى!! طب أنا مقالى فى آخر صفحتين! لسه هاستنى؟ استعنا ع الشقى بالله!!

ولم أكد ألاحظ هذه الملاحظة حتى وجدت نفسى دون أن أدرى أدعو الله أن يتأخر المترو.. حتى ولو أصابه عطل لمدة ساعة أو أكثر.. والله أعلم بقى الراجل ده سريع فى القراية وللا هيقرفنا؟؟

حسنا . الشاب يقرأ الآن مقال الأستاذ إبراهيم عيسى..لا بأس فى ذلك فواجبى أن أعطى الفرصة للزملاء! وها هو يقلب الصفحة ويبدأ فى الدخول لدهاليز صحيفتى الموقرة.. وبسم الله يارجالة!!

إنه الآن منهمك تماما فى قراءة الأخبار السياسية المتخمة السوداوية فى الصفحات الأولى.. وما إن أرى علامات التأثر على وجهه حتى أهمس فى سرى: ياعم والله كل حاجة فى البلد هتبقى تمام.. اقلب انت بس الصفحة وربنا هيكرمنا إن شاء الله!!

لماذا تأخر موضوعى هكذا؟؟ هذا ماقلته عندما لاحظت أن الشاب قد توقف عند صفحتى الفن.. بل إنه قد ثنى الصحيفة استعدادا لقراءتهما حرفا حرفا.. وأنا بجواره ألاحظ عينيه حتى أعلم متى سينهى القراءة وهل سيغيب القطار أكثر من ذلك؟؟

ياعم فن إيه؟؟ فيه حاجات ورا هتعجبك والله!!

وما إن أنهى صفحتى الفن وفرد الصحيفة من جديد.. حتى سمعت صفارة المترو تقترب.. ياللعنة!! لماذا دائما يأتى المترو عندما لا نحتاجه.. ويسافر إلى ليبيا فى مشوار عندما نكون فى أمس الحاجة إليه؟؟

ولكن هل سأترك فريستى هكذا بعد كل هذا الجهد؟؟ بالطبع لا.. وراك وراك ياحلو.. وقذفت نفسى داخل المترو المزدحم خلف صاحبنا ووقفت بجواره أمارس رياضتى المفضلة وهى الوقوف بجوار واحد بيقرى جرنال!!

بعد الفن وجدت صفحة أخرى تهتم بفارس من فرسان السينما.. ومالك انت ياعم الحاج بالسينما والمنكر ده؟؟ اقرى حاجة تنفعك.. اقلب ياعم الصفحة اقلب..

وطبعا لم ينفع همسى حيث ثنى الشاب الصحيفة مرة أخرى ليقرأ بتمعن وانا أتابع معه ما يقرأ..حتى حانت اللحظة!!

ها هما الصفحتان اللتان يقبع فى إحداهما مقالى.. ماعليه إلا أن يطنش الصفحة اليمنى ويتجه إلى اليسرى.. أبوس إيدك يا شيخ اقرى الشمال الأول.. ربنا يجعلك من أصحاب اليمين بس اقرى الأول الشمال!!

ولم يسمعنى كالعادة.. حيث ثنى الصحيفة وبدأ فى قراءة مقالات الرأى واحدا واحدا..وفى كل لحظة أكاد أن أهمس له: ياعم صدقنى فيه مقال فل قصادك.. هيه الناس دى هتكتب أحسن من اللى فى الصفحة الشمال يعنى؟؟

وفعلا انتهت الصفحة المقابلة وحانت اللحظة التاريخية.. ساعتها كان قلبى ينبض بعنف وينتظر تلك اللحظة التى سيقف فيها شعر رأس الزبون من إعجابه بكلامى.. ويضرب رجله فى الأرض من شدة الضحك والسخرية فى مقالى.. وتخيلت أنه سيلتفت إلى جيرانه ليحكى لهم هول هذا المقال فيجدنى بجواره.. فينظر إلى المقال مرة ثانية مستغربا ومدققا فى الصورة أسفله.. لينظر لى مرة أخرى فأعفيه من الإحراج وكلى تواضع وأنا أقول:

- أيوة أنا.. بس والله دى أقل حاجة عندى!!

الأمر إذن يحتمل كل هذا العذاب.. هذا هو الدليل العملى على كل هذه الآراء المشجعة والمؤيدة لموهبتى الفذة..ها هو يفتح الصفحة.. ينظر إلى عنوان مقالى المتصدر أعلى الصفحة.. يتأمل البنط العريض.. يبدو على وجهه تأثير عنوان مقالى الفظيع.. ثم.. لاشيء!!

نعم.. بمجرد أن قرأ الشاب عنوان مقالى حتى ثنى الصحيفة واتجه إلى قراءة النصف الأسفل من المقالات ولا عزاء لمن حفيت قدماه وراءه!!

لم تطاوعنى كرامتى أن أوقفه قائلا: على فكرة حضرتك نسيت مقال حلو قوى فوق.. انت مش شايفه وللا إيه؟؟

ولم تطاوعنى عزة نفسى أن أقول له: شوف ياكابتن.. على فكرة أحب اعرفك ان انت غلطت.. غلطت غلط جامد يعنى!!

ولكن كل ما فعلته ساعتها أن رفعت رأسى عزة وكبرياء وأكدت لنفسى أن الشاب يتسلى فى المترو بقراءة المقالات "العادية".. أما المقالات الفظيعة الملهمة مثل مقالى فلها طقوس خاصة وأوقات معينة.. وقراء فاهمين!!